جيرار جهامي ، سميح دغيم

962

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

حداثة * في اللّغة - راجع مصطلح « حدث » . * في الفكر النقدي - ماذا نعني بفكر الحداثة ؟ يمكن القول بأنه يتلخّص في المواقف الإبستميائية والإبستمولوجية ( أي المواقف الفكرية العميقة ) التالية : - كل الوحدات الاجتماعية البشرية ( أو كل المجتمعات ) أيّا يكن حجمها تبدو خاضعة لآليات التحوّل والتغيّر والتطوّر . ويكون هذا التطوّر إما باتجاه الدمج والتعقيد والمزيد من القوة والميل إلى الهيمنة ، وإما باتجاه التفكّك والضعف المتزايد الذي قد يصل إلى مرحلة التلاشي الكامل . - كل ما يحصل في حياة الوحدات الاجتماعية ( أي في حياة المجتمعات البشرية ) هو نتيجة اللعبة المستمرّة للقوى الخارجية والداخلية . فهذه القوى هي التي تؤثّر في المجتمع وهي التي تحسم مسألة الإرادات والمبادرات والتصوّرات الخاصة بالوكلاء الاجتماعيين الذين يدعون أيضا بالفاعلين أو الممثلين الاجتماعيين . ( أركون ، نقد العقل الديني ، 132 ، 10 ) . - نشأت الحداثة عندما تخلّى الفكر الفلسفي عن هذا الإرث ( الأحكام الميتافيزيقية ) . فدخل البشر في فلك الحرية ومعها القلق ، وفقد الحكم طابعه المقدّس ، وصارت ممارسات الفكر العقلاني تنعتق عن الحدود المفروضة عليه سابقا . فأدرك الإنسان منذ هذه اللحظة أنه هو صانع تاريخه ، بل إن العمل في هذا السياق واجب ، الأمر الذي يفرض بدوره ضرورة الخيار . انطلقت الحداثة إذن ، عندما أعلن الإنسان انعتاقه من تحكّم النظام الكوني . ( سمير أمين ، مناخ العصر ، 33 ، 4 ) . - الحداثة هي انقلاب إيديولوجي وفكري جوهري ، حدث عندما اعتبر المجتمع نفسه مسؤولا عن مصيره ، عندما أعلن الإنسان أنه هو صانع تاريخه . علما بأن جميع الإيديولوجيات القديمة - السابقة على الحداثة - في الشرق وفي الغرب - قد قامت على مبدأ آخر ، ألا وهو أن ثمّة قوى ميتا - اجتماعية ( فوق اجتماعية ) تحكم مصير المجتمع كما تحكم الكون . ( سمير أمين ، مناخ العصر ، 95 ، 18 ) . - الحداثة ، لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسمّيه ب « المعاصرة » ، أعني مواكبة التقدّم الحاصل على الصعيد العالمي . صحيح أن من شأن الحداثة أن تبحث عن مصداقية أطروحاتها في خطابها نفسه ، خطاب « المعاصرة » وليس في خطاب « الأصالة » الذي يعنى بالدعوة إلى التمسّك بالأصول واستلهامها ، ولكن صحيح أيضا أن الحداثة في الفكر العربي المعاصر لم ترتفع بعد إلى هذا المستوى ، فهي تستوحي أطروحاتها وتطلب المصداقية لخطابها من الحداثة الأوروبية التي تتّخذها « أصولا » لها . . . وإذن فطريق الحداثة عندنا يجب ، في نظرنا ، أن ينطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها وذلك بهدف